خاطبوا الناس على قَدْرِ عقولِهم ؛ الاختلاط بين (التحريم) و(التكفير)
قَرَأْتُ ما تداوَلَتْهُ كَثيرٌ مِن الصُّحُفِ المطبوعةِ ، والأكثرُ مِن المواقعِ والمنتدياتِ الإلكترونيَّةِ حول الفَتْوَى المُسنَدةِ إلى الشيخِ عبدِ الرَّحمن بن ناصرِ البَرَّاك -وفَّقَهُ اللهُ-، والتي نُسِبَ إليه -فيها- أنَّهُ يقولُ بِكُفْرِ مِن يُسَوِّغُ الاختلاطَ، ويُجيزُ قَتْلَهُ!
ولا شكَّ أنَّ الكلامَ -لو كان هكذا- لكان باطِلاً جدًّا، ومُنكَراً جِدًّا!
لكنَّ الواقعَ أنَّ كلامَ الشيخ -وفَّقَهُ اللهُ- كما جاء في (موقعِهِ الرَّسْمِيِّ)-:
مُوَجَّهٌ إلى مَن (يستحلُّ) الاختلاطَ، أي: يَعُدُّهُ حَلالاً مُناقضةً منه لأدلَّةِ تحريمِهِ...
وليس معناهُ تكفيرَ المُواقِعِ للاختلاطِ عن شهوةٍ أو معصيةٍ ؛ فضلاً عن المُجيزِ له عن شُبهةٍ عِلميَّةٍ -حتَّى لو أخطَأَ-...
وهذا -بهذا القيد- هو -نفسُهُ- اعتقادُ أهل السُّنَّةِ في مُرْتَكِبِي عُموم الذُّنُوب والآثام، والذي لخَّصَهُ الإمامُ الطَّحاويُّ بقولِهِ -في «عقيدتِهِ» -المشهورةِ-:
« ولا نكفّرُ أحداً مِن أهلِ القبلةِ بذنبٍ ما لم (يستحلَّهُ) ».
مع التوكيد-حتى في هذا-على ضبط الفرق بين الكفر النوعيّ ، والتكفير العينيّ-وما يحتاجُه هذا-الأخير- مِن لزوم تطبيق شروطٍ وضوابطَ على الأفراد ؛ لا يقومُ بها إلا خاصةُ العلماء الربانيّين-؛مؤكّداً-من قبل ومن بعد-على أن إغفالَ التفريق بين هذين الأمرين سببٌ عظيمٌ في إيقاع الفتن في العالم-كله-،ولا أقول:بين المسلمين-فقط-!!!
ولكنِّي أقولُ:
الأصلُ: مُخاطبةُ النَّاسِ بالاصطِلاحاتِ التي يَعقِلُونَها، ويُدْرِكُونَ معانيَها، وإلا كان ذلك (لبعضِهِم) فِتنةً؛ كما قال ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: «ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلُغُهُ عقولُهُم ؛ إلا كان (لبعضِهِم) فتنةً ».
أمّا اليوم؛ فأقولُ: هو (لأكثرِهِم) كذلك! -واللهُ المُستعانُ-.
بل بَلَغَ تَوَقِّي سَلَفِنا الصالحِ -رحمهُمُ اللهُ- في هذا الباب -أنْ قالَ عليُّ بنُ أبي طالب -رضي الله عنه-: « حدِّثُوا الناسَ بما يعرِفُونَ ؛ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ ؟!».
هذا هو الهديُ السَّنَيُّ النبويُّ، وهذا هو التوجيهُ السُّنِّيُّ السلفيُّ.
أقولُ: نعم ؛ الأصلُ في حُكْمِ الاختلاطِ بين الجِنسَيْنِ: المَنْعُ، وأمَّا ما كان مُباحاً منهُ -لحاجةٍ، أو ضرورةٍ-؛ فبضوابطَ دقيقة، وشروطٍ وثيقة.
أمّا التكفيرُ -عشوائيًّا !-؛ فلا...
وأمّا القتلُ -ضربةَ لازِبٍ !!-؛ فلا وألفُ لا...
*******