&

.

 

 

 

 

قال رسول الله

e

إذا تمنى أحدكم فليستكثر  فإنما يسأل ربه عز وجل

 

السلسلةالصحيحة

رقم 1266

المجلد 3 / 263

 

 

 

 

 

حكم تارك الصلاة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

قيل : يا رسول الله ! أي الناس أفضل ؟    قال : " كل مخموم القلب ، صدوق اللسان " ؛  قالوا : ( صدوق اللسان ) نعرفه ؛ فما مخموم القلب ؟ -  قال : " التقي النقي ؛ لا إثم فيه ، ولا بغض ، ولا غـل ، ولا حسد " .... سند صحيح - ابن ماجه 4216

يعقد فضيلة الشيخ علي الحلبي الأثري مجلسا علميا  في مسجد الفتح - عمان - المحطة -

 يشرح فيــــــــه كتاب الإيمان من صحيح البخاري -  يوم الاثنين بين المغرب والعشاء


 

 

þ كَلِمَة تذكير بِمفاسِد الغُلُوِّ في التَّكفير

     وما يُوقعه مِن أثر خطيرٍ كالتّدميرِ والتّفجيرِ 

بسم اللَّه الرحمن الرَّحيم

 الحمدُ للَّه حقَّ حمدِه، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّه وعبدِه، وعلى آلِه وصحبِه ووفدِه.

 أمَّا بعد:

فقد نَشرْتُ _ منذُ شَهْرٍ _ هذه الرسالةَ المنهجيَّةَ المهمَّةَ _ وللَّه الحمدُ _؛ تَحْوِي بين دفَّتَيْها

حقيقةَ اسْمِها _ بِمضمونها _: «كلمةَ تذكير» _ بالواقع والمصير _ حولَ ما جرَى _ ولا يزالُ

يجري ! _ في بلاد الحرمَيْن الشريفَيْن _ وبعض البلاد الإسلاميَّة الأُخرى _ مِن فِتن (التدمير

التفجير) الَّتي أوقعها ذلك (الأثرُ الخطير) النَّاتجُ عن «مفاسِد الغُلُوِّ في التكفير». 

ولقد أقَمْتُ رسالتِي هذه _ والمُوَفِّقُ اللَّهُ _ على (التذكير) بِلُزومِ (العَزْمِ والحَزْمِ) في التعامُل مع هذه الفئةِ المنحرفةِ الضالَّة؛ الَّتي لم تَكْبُر وتعظُم «إلاَّ بِسبَبِ التراخي في التعامُل مع غلوائِها، وتخفيف النكير عليها» (1)...

 ولم تُعجب هذه الصراحةُ الصادقةُ _ حينَها _ بعضَ الناس (!)؛ فطاروا بها على محامِلَ لم تخطُر لي على بال، ولم تَعِنَّ لِي في خيال (2) !!

 ولقد جاءَت الحوادثُ والأحداثُ _ بَعْدُ _ تَتْرَى: تَثْبيتاً لِمَا قلتُ وَبيَّنْتُ، وتوكيداً لِمَا لهُ ذَكَرْتُ، وبِهِ ذَكَّرْتُ، ومنه حذَّرتُ:

 فقد أصْدَرَتْ (هيئةُ كبار العلماء) _ الموقَّرةُ _ في بلاد الحَرَمَيْن الشريفَيْن _ يومَ أمسِ _ تماماً _ السبت: 18 جُمادى الآخرة سنة 1424 هـ _ (بياناً) تستنكر فيه (ما يصدر مِن فتاوى وآراء تُسَوِّغُ هذا الإجرام، أو تُشَجِّعُ عليه؛ لِكونِه مِن أخطر الأُمور وأشنعها) (3).

قلتُ:

وليست هذه الفتاوى المنحرفةُ، وتِلكم الآراء الضالَّةُ: إلاَّ التكفير للحكَّام، وإيجابُ الخروج عليهم، والثورة ضدَّهم ؟!  

فإنْ كان ثمَّةَ انحرافٌ آخرُ _ مُعَيَّن ! _ فما هو ؟!  

وفي (البيان) _ نفسِه _ قولُ أصحاب الفضيلةِ _ رعاهُم اللَّهُ _:

 (ومَن صدر مِنه مثلُ هذه الفتاوى أو الآراء التي تُسوِّغ هذا الإجرام: فإنَّ على وليِّ الأمرِ إحالتَه إلى القضاءِ؛ لِيُجْرِيَ نَحْوَهُ ما يقْتضيه الشرعُ؛ نُصحاً للأُمَّةِ، وإبراءً للذِّمَّةِ، وحمايةً للدِّين).

 وهذا وذاك مَسْبُوقٌ _ كلُّه _ بِدعوةِ مجلس (هيئة كبار العلماء) في (بيانهم) علماءَ المسلمين للقيام بواجب الكشف عن أفكار هذه الفئة المُبطلةِ؛ فقالوا _ حفظهم اللَّه _ :

(ويُهِيبُ المجلسُ بأهل العلم أن يقوموا بِواجبهم، ويُكثِّفوا (4) إرشاد الناس في هذا الشأن الخطير؛ لِيتَبَيَّن بذلك الحقُّ).  

وقالوا: (وعلى مَن آتاه اللَّهُ العلمَ: التحذيرُ مِن الأقوال الباطلة، وبيانُ فسادها، وكشفُ زُورِها).  

وهم _ زادهم اللهُ مِن فضلِه _ في ذلك كلِّه _ إِنَّما يُحذِّرُون (مِن دُعاةِ الضَّلالَةِ والفِتْنَةِ والفُرْقَة الذين ظهروا في هذه الأزمان، وقلَّبُوا على المسلمين أمرهم، وحرَّضُوهم على معصية وُلاةِ أمرِهم، والخروجِ عليهم).  

أقول:

 وهل هذا غيرُ الَّذي ذَكَرْت، وما مِنهُ حذَّرْت ؟!

 بَلْ هو _ بِعَيْنِه _ ما أقمتُ عليه رسالتي «كلمة تذكير» _ هذه _ بدءاً وانتهاءً _، فَضْلاً عن كتاباتي السابقةِ _ جميعِها _ منذُ «التحذير...» (5)، و«صيحة نذير...»، وانتهاءً بـ «الأجوبة...»، و«التنبيهات...» _ وذلك مِن نَحْوِ عشرِ سنين _... والحمدُ للَّه ربِّ العالمين.  

... فكثيراً _ جدًّا جدًّا _ ما حذَّرْنا _ وَإخوانُنا ومشايخُنا _ مِن شعاراتِ هؤلاءِ المنحرفين الضالِّين، الَّتي أوقعوا الأمَّة _ مِن خلالِها _ في ظلمات الفتن، وعظائمِ المِحَن؛ كَـ (الموالاة)، و(الجهاد)، و(الكفر)، و.. و.. مِمَّا ظاهرُهُ فيهِ الرَّحمةُ، وباطِنُهُ مِن قِبَلِهِمُ (!) العذابُ !! إذا لم تَنضَبطْ بقواعدِ الكتاب والسنَّة، ولم تتحرَّر بأصُولِ العلماء والأئمَّة _ وعلى منهج سَلَف الأمة _ .

 فجاءت نصيحةُ (كبار العلماء) في (بيانهم) _ هذا _ تؤكِّد لُزُومَ (عدم الانسياقِ وراء عبارات وشعارات فاسدة؛ تُرْفَعُ لِتفريق الأُمَّة، وحملِها على الفساد.  

وليست في حقيقتِها مِن الدين، وإنَّما هِي مِن تلبيس الجاهلين، والمُغرضين) .  

(ومَن زعم أن هذه التخريبات، وما يُرادُ مِن تفجيرٍ وقتلٍ: مِن الجهاد !! فذلك جاهلٌ ضالٌّ (6)، فليست مِن الجهاد في سبيل اللَّه في شيء).  

أقُولُ:

والسَّابقُ _ جميعُهُ _ ذَكَّرني بِثلاثَةِ أُمورٍ مهمَّةٍ _ جدًّا _:

 أولها: ما غمزَنِي بِه بعض الجهلة مِن (رُويبضات) هذا العصر الحاضر _ وما أكثرَهم ! _ في تسويدٍ _ لهُ _ أَخْرَقَ _ أقامهُ على التكفير الغالي المنحرف؛ طاعناً _ فيه _ بنا، وإخواننا، وشيخنا الإمام الألباني _ إمامِ أهل السُّنة _: أنَّنا على مذهب المرجئة (7) الضالَّةِ الرديَّة _ والعياذُ باللَّه _ !! حيث اتَّهمني (ص108) _ مِن تسويده _ بـ (عون أهل الباطل)، و(الاستعانة بأهل الباطل) !! وَمُرادُه معروفٌ مكشوفٌ !!!  

وقد ردَدْتُ عليه _ عاملهُ اللَّهُ بِعدْلِه _ مفترياتِه كلَّها، واتِّهاماتِه جميعَها: في كتابي «الردِّ البرهاني في الانتصار للإمام الألباني»؛ فانظر (ص239_242) _ منه _، وممّا قلتُه فيه _:

 «إنِّي على استعدادٍ -تامٍّ _ أن يُرفَع أمرُ هذه (المسألة) _ بِعينِها _ إلى علماء (اللجنة الدائمة للإفتاء) _ مُجتمعين أو منفردين _؛ لِيكون قولُهم _ حفظهم اللَّهُ _ هو الفصل فيها بائتِمان _...

 أم أنكم (!) ستقولون (الآن): (هؤلاء علماء سلطان) ؟!!».

 وأقول _ اليومَ _:

 قد جاءتْنِي نُصْرَةُ اللَّه _ سبحانه _ على أُولئك المترِّصدين الخائبين _ بتوفيقِه _ تعالى _ من خلال هذا (البيان) _ الأخير _ لأصحاب الفضيلةِ (كبار العلماء)؛ إذ أفتَوْا _ مِنْ ضمنِ ما ذكروا في (بيانِهِم) _ بـ (تحريم السكوت على الإبلاغِ عن كل خطرٍ يُبَيَّتُ ضد أمْنِ الأمَّة)... وهو عَينُ ما سمَّاه ذلك (الرويبضةُ) _ على هواه _ بـ(عون أهل الباطل) _ تَلْبيساً، وتَشْنيعاً _ !!!

 فماذا هو _ الآنَ _ قائل ؟!!

 مع أنَّ هذا التحريم _ عندي _ مرتبطٌ تحقُّقُه _ لُزُوماً _ بِشَيْئَيْنِ:

 

الأول: أن يكون هذا (الخطر) _ المُتوقَّع مِن هؤلاء _ يقينيًّا أو راجحاً... وليس مُجرَّدَ كلامٍ في كلام _ ككثيرٍ مِن أحوال هؤلاء المنحرفين الجهلة الطَّغام _ !

 

الثاني: أن يكون ذلك عَقِبَ تكرارِ مُناصحتِهم، وتعدُّد تذكيرِهم، وتنوُّع زَجْرِهم؛ فإذا كابروا الحقَّ، وردُّوهُ، ورفضوهُ، وناقضُوه:

 

.............. فليس على المضطرِّ إلا ركوبُها

 

ثانيها: كلمةٌ (8) لِي كتبتُها _ قبل ثلاث سنوات كاملة ! _ في رسالتي «الأجوبة المتلائمة على فتوى اللجنة الدائمة» (ص41_42_ جمادى الآخرة 1421هـ)؛ أُكرِّرها الآن _ لأهَمِيَّتِها وضرُورتِهَا _ (9)؛ قلت:

 

«المرجوُّ مِن اللَّجنة الموقَّرة _ وهيَ مَن هي؛ مَكَانةً، ومَنْزِلةً، وإرشاداً، وتوْجِيهاً _ أن تَقْطَعَ حَيْرَةَ الشباب المسلم (المُتردِّد) _ الَّذي يَسْمَعُ مِن هَهُنَا (!)، ويُدْفَعُ إلى هَهُنا (!)، ولا يَدْرِي ماذا يَفْعَلُ، أو يَقُول!! _ وذلك في مسألة (واقعيَّة) ذاتِ آثارٍ (واقعيَّةٍ!)؛ وهيَ مسأَلَةُ حُكَّامِ (الشعوب الإسلامية) _ بِصُورتهمِ الحاضرة المعروفة _:

 

هَلْ هُمْ كُفَّارٌ ؟!

 

أم مُسلمون ؟!

 

هل هم _ جميعاً _ كذلك ؟

 

أمْ فيهم تفصيلٌ ؟!

 

وهَلْ هُمْ (مُبَدِّلُونَ) _ حقيقةً _ ؟!

 

ومَا الأصولُ الضابطةُ لهذا (التبديل) المُكفِّر _ إنْ كانَ ! _ ؟!

 

وما ضابِطُ (التشريع العامِّ) المُكَفِّر _ إنْ كان ! _ ؟!

 

وهَلْ هُنَاك فَرْقٌ (بينهُما) _ مِن جهة _، وبينَ (القوانِينِ الوَضْعِيَّةِ) _ مِن جهةٍ أُخرى _ ؟!

 

وَمَا صورةُ الحُكمِ بِغيرِ ما أنزل اللَّهُ _ في هذا _ كُلِّهِ _ ؟!

 

ومَتَى يَكُون هذا مُكفِّراً ؟!

 

وَمَتَى لا يَكُونُ ؟!

 

... لا بُدَّ مِن الحكمِ الصَّرِيح، الجَلِيِّّ، الواضحِ، القاطِعِ؛ حتَّى لا (نَسْتَمِرَّ) في دائرة الظنِّ، والتَّخمينِ، و(الصِّراعِ)، وتسديدِ الحساباتِ !! والتَّقَوُّل: فلانٌ أراد كذا ! فُلانٌ قالَ كذا ! قَصَدُوا كذا ! فعلُوا كذا !!!

 

نَعَمْ؛ لا بُدَّ مِنَ الحَسْمِ فِي الحُكْمِ .

 

إِذْ إِنَّ (استغلالَ) الفتاوَى (!) وَ(تَجْيِيرَها) _ لِمصالِحَ حِزْبِيَّة، وَ(ثَوْرِيَّةٍ)، وفِكريَّةٍ، وَ(تكفيريةٍ) _ هُوَ طريقُ أهل الأهواء _ هؤلاء ! _ الَّذين يقولون ما لهم !

 

ويكتُمُونَ ما عليهم !!

 

ومشايِخُنا أَنْبَلُ، وَأَجَلُّ، وَأَرْفَعُ _ إِنْ شاءَ اللَّهُ _ مِن أن تكونَ فتاوَاهم، أو بيانَاتُهُم _ طريقاً يُنيلونَ بِه (أولئِكَ) غايَاتِهِمْ؛ لِتُنَفَّذَ _ مِنْ بَعْدُ _ أهْدافُهُمْ !

 

وَحينَئِذٍ؛ أين الخلاص ؟!

 

{ ولاَتَ حِينَ مَنَاص}...

 

نَعَمْ؛ هذا هُوَ الواجبُ الأكبرُ _ اليَوْمَ _؛ حَتَّى يخرُجَ (الشبابُ) مِن هَدِيرِ الدَّوَّامَةِ الَّتِي يعيشُونَ فيها، ولا يكادُونَ يخرُجُونَ مِنْهَا !!...

 

وَإِنِّي لأَعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ _ دُونَ أدْنَى تَرَدُّدٍ ! _؛ أَنَّ ما كَثُرَ فيهِ القولُ _ هذه الأيام _ واشْتَدَّ ! _ مِن مسائل (الإيمان)، و(الكُفرِ)، و(الإرجاء)، و(العمل)، و(الشرط)، و(الصحَّة) وَ... وَ... _ بِهذه الصورة !! _: أنَّه _ كلَّه _ (مُهَدَّفٌ)، وَمُوجَّهٌ، وَمُرَكَّزٌ _ بإلحاحٍ عجيب ! وَإصرارٍ غريب ! _ على مسألةٍ واحدةٍ لا ثاني لَها، وهيَ مسأَلةُ (تكفير الحُكَّام) !!

 

فلْنَتَنَبَّهْ لِهَذَا، ولْنَحْذَرْ مِنْهُ، وَلْنَعْلَمْ _ مِنَّا _ فيهِ ! _ مواضِعَ الأقدام..

 

وعليهِ:

 

فَمَن (المستفيد) الحقيقيُّ مِن هذا كُلِّه ؟!

 

وماذا ستَجْنِي الأُمَّةُ مِن ورائِه، ومِن جَرَّائِه ؟!

 

... مع التَّوكيد على بُغضِنا _ وبراءَتِنا _ مِن كل ما يخالِف الشرعَ، ويُناقِضُه مِن حاكمٍ أو محكُومٍ _ كُلٌّ بِحَسَبِه ! _؛ دُونَ أدنى تهوين، أو أقلِّ تساهُل..» (10).

 

وأقول _ اليومَ _:

 

أليْست هذه الأسئلةُ حيويَّةً ، ومهمَّةً، ولازِمةً ؟!

 

ألَيْسَ الجوابُ عنها ضرُوريًّا، وحَتْمِيًّا، ولا بُدَّ مِنه ؟!

 

ثالثها: ما كتَبْتُهُ فِي «التنبيهات المتوائمة» (ص176_177) _ قبلَ أكثر مِن عام _ مِمًّا أراه _ اليومَ _ (ماثِلاً) أمامَ عَيْنَيَّ، وبَادِياً بين يَدَيَّ _ لا يختلط على صاحِبِ نظر، ولا يضطرب على ذي فِكَر _؛ فقد قلتُ:

 

«... ونحنُ إذْ نكتُبُ: فإِنَّما نَكْتُبُ مُسْتَنْصِرِينَ باللَّهِ _ سبحانه _، مُسْتعينينَ بِهِ _ جَلَّ فِي عُلاَهُ _، وَأَمَلُنَا بِرَبِّنا _ عَز وجل _ أنْ تكونَ النُّصْرةُ للحقِّ وأهلِهِ... ولوْ بعْدَ حِين... وإنَّا لَمُنْتَظِرُون وَوَاثِقُونَ.

 

... وَبِمُناسبة ذِكْرِ هذه الثِّقة العزيزة _ بِمِنَّةِ اللَّهِ _ أقُولُ _ بِتفاؤل شديد _:

 

[مَهْمَا أرْعَدَ [المُخالفون] وَأَزْبَدُوا، وإنْ نثروا الكنائن، وتصيَّدُوا الأتْباعَ، ونصبوا الحبائل، وطيَّرُوا الشائعات، وَرَوَّجُوا الأحقاد والضَّغَائِنَ؛ فإِنَّ أمرَهم إلى سَفالٍ، وعملُهُمْ في خَسَارٍ.

 

وما أشبه الليلَةَ بالبارِحة ! فشراذمُ القاصرين والشُّذَّاذ عن هذا النُّور بمعزلٍ، وعن الحقِّ في صُدُودٍ، وإلى كُلِّ فتنةٍ ينقلِبُون، وإنْ لجُّوا بِنُصرتِهِ، ونعقوا بالدِّفاعِ عنه.

 

وسيبقى الخيرُ في ذيوعٍ واتِّساعٍ، رغمَ كُلِّ جاحد.

 

واللَّهُ غالبٌ على أمره، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ] (11).

 

... وإنِّي _ واللَّهِ _ أرى اليَوْمَ القريبَ _ القريبَ _ بإذْنِ ربِّ العالمين _؛ الَّذي تَجْتَمِعُ فيهِ الكلِمَةُ على هذا الحقِّ الذي نحنُ له مُنْتصرون، وبِهِ مرْفُوعون؛ بِحَيْثُ يَغْدُو المُخالفُ لهُ شاذًّا عنِ الجماعةِ، مُخالفاً لأهْلِ العلمِ وَحَمَلِتِهِ _ عَامَّتِهِمْ، وخاصَّتِهِمْ _ .

 

... وَإِنَّ غداً لِناظرِهِ قريبٌ.

 

وما هذا كذلك؛ إلاَّ لِكَوْنِ القَوْلِ الذي انْشَرَحَتْ صُدُورُنا إليه _ مَنْهَجاً، وعقيدةً _ هُوَ:

 

أولاً: القولُ المُؤَيَّدُ بالدَّلاَئِلِ؛ بِحيثُ لا يُهْمَلُ _ فيه _ نَصٌّ على حِسابِ نَصٍّ؛ مؤتلفةً أحكامُهُ غَيْرَ مُخْتلفةٍ.

 

ثانياً: أَنَّهُ القوْلُ الذي يجْعَلُ الأُمَّةَ _ كُلَّها _ مُطمئنةً في حقِّها وواقِعِها؛ أمْناً، وأَمَاناً، وإيماناً.

 

وهذِهِ _ كُلُّها _ مقاصِدُ شَرْعيةٌ قائمةٌ بِذاتِها؛ فتأَمَّلْ».

 

وأقولُ _ اليومَ _:

 

... ها هي بشائرُ هذا الخير لاحَتْ في الأُفُقِ _ وللَّه الحمدُ _ بأقربَ ممَّا تَصَوَّرْتُ _: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء:19]:

 

فقد فُضِحَ _ بأقبح الفعائلِ _ أولئِك التكفيريُّون المزُيَّفُون المُزَيِّفُون، وانكشفت سوآتُهم أمامَ كُلِّ العيون، وَلَفَظَتْ أرضُهم (!) ما هو منهم مُخَبَّأٌ مدفون؛ فلعَلَّهُم يتُوبون ويرجعون...

 

وهَا هُمْ مشايِخُنَا وعُلَماؤُنَا _ زادهم اللَّهُ توفيقاً _ يُصْدِرونَ البيانَ تِلْوَ البيان، والفتوى تَتْبعُها أخرى؛ في إنكار هذا الفِكر التكفيريِّ الغالِي المُظلم، بآثارِهِ الباطِلةِ السوداءِ المدمِّرة...

 

وها هِي مُحاضراتُهم، ولقاءَاتُهم، وندواتُهم: تتكاتفُ وتتكاثَفُ _ في المساجد، والنوادي والمجتمعات، وفي الصُّحف والمجلاَّت والفضائيات _ استدراكاً لشيءٍ قد فات، واستحضاراً لأشياءَ وأشياءَ لا تزال _ مُهِمَّات _؛ لِتعُودَ اللُّحمةُ مِن جديد _ وبوجهٍ أكيدٍ حديد _ بين حَمَلَةِ هذه الدعوةِ _ وعُلمائِها، وأتباعِها _ في سائرِ بقاع الأرض؛ ضدَّ هذا الخطر الداهم، والبلاء الجاثم، وبخاصةٍ في البلاد المباركةِ الميمونةِ: بلاد الحرمَيْن، وبلاد الشام...

 

والحمدُ للَّه الملك العلاَّم...

 

ولسْتُ أنسى _ فِي خِضَمِّ ما نحنُ فيهِ _ كلِّه _ التأكيدَ على ثوابِتَ:

 

1_ أهميَّة اعتبار العلماء مرجعيَّةً أساسيَّةً؛ لأنَّهُم الأصل الذي ينبغي أن يرتبطَ بِه شبابُ الأُمَّةِ؛ دونَ أولئِك الشَّاذِّينَ المنحرفين الغَالِين؛ الذين يُرادُ (!) لهم _ وبهم _ أن يكونوا هم المُصدَّرين والمتصدِّرين _ بجهلهم وتعالُمِهم _ !

 

2_ ما جَرَى وَمَا يَجْرِي _ أو سيجْرِي ! _ ليس لهُ أيُّ ارتباطٍ بمناهج الحقِّ وأهل الحقِّ _ في العِلْم والدعوةِ _؛ فلا يزالُ الغُلُوُّ موجوداً منذ القرون الأولى إلى هذه الساعة _ وإلى قيام الساعة _، ولا يزال التطرُّف قائماً في سائر المِلل والديانات .

 

فاتِّخاذُ بعض هذه الأحداث تُكَأَةً لِنقضِ الحقِّ، وطعْنِ أهلِه: ظلمٌ مُبين، وباطلٌ مُستبين.

 

3_ التوكيدُ على خطر الكفر _ بأسبابِه وأنواعِه _، والمعاصِي _ وأصحابِها والدَّاعين إليها _، وأنَّ التَّراخي تُجاهَ أيٍّ مِن ذلك: ضلالٌ أيُّ ضلال.

 

4_ دعوة الأمة إلى العلم النافع، والعمل الصالح؛ وهذه هي حقيقة (الإيمان) الذي أمرَ اللَّهُ _ تعالى _ بِه عبادَهُ الصالحين، دون التساهُل في شيءٍ مِن ذلك، أو التهاون به.

 

5_ قَطْعُ الطريق أمامَ المخالفين لمنهج السلف مِن عمومِ المسلمين _ جماعاتٍ، أو أفراداً _؛ فـ(إِنَّ دين الإسلام جاء بالأمر بالاجتماع، وأوجب اللَّهُ ذلك في كتابِه، وحرَّم التَّفرُّق والتحزُّب) (12).

 

فالحزْبيُّون _ على كافَّة صُورهم، وبِسائِر اتِّجهاتِهمْ _ يفْرحُون بِبَثِّ الفُرقةِ بين دُعاة منهج السلف _ شُيُوخاً، وعُلماءَ، وطلبَةَ عِلْمٍ، ودُعَاةً، وعامَّةً _.

 

... فالتركيزُ على هذه الأصول المنهجيَّة السلفيَّة المقرَّرة _ بوضوحٍ وَثَبَاتٍ _: يُفْسِدُ عليهم تربُّصَهم، ويَكْسِرُ عليهم تصيُّدَهم، وتنكشفُ الصورةُ الحقيقيَّةُ_ لنا ولَهُم _ تميُّزاً ومُباينةً _ دُون أيِّ تزيُّد _ أمام كُلِّ ذِي بصرٍ وبصيرَةٍ...

 

6- تواصُلُ المتابعة، واستمرارُ التركيز على خَطَر هذه الأفكار الغالية، وتحصين الشباب المسلم منها؛ ليظلَّ هذا التواصُلُ _ في الناس _ «كلمة تذكير بِمفاسد الغُلُوِّ في التكفير» (13) حاضرةً لا تنقطع؛ تُبعِدُهم عن ذلك الضلال، وتَنْأى بهم عن سيِّئ الخِلال... وأَخْتم كلمتِي هذه بما خَتَمَ به أصحابُ الفضيلة المشايخُ _ جزاهُم اللَّهُ خيراً _ (بيانَهم) _ المشارِ إليه _؛ تحذيراً للجميع: (حكَّاماً ومحكومين مِن المعاصي، والتساهلِ في أمر اللَّهِ، فشأن المعاصي خطير، ولْيحذرُوا مِن ذنوبِهم، ولْيستقيموا على أمر اللَّه، ويقيمُوا شعائر دينهم، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

 

وقى اللَّهُ بلادنا وجميعَ بلادِ المسلمين كُلَّ سوء، وجمعَ اللَّهُ كلمةَ المسلمين على الحقِّ والهُدى، وكَبَتَ اللَّهُ أعداءَهُ _ أعداءَ الدِّين _، وردَّ كيدهم في نحورِهم، إنَّه _ سبحانه _ سميع قريب).

 

وَكَتَب

 

عليُّ بن حسن بنِ علي الحلبيُّ الأثريُّ

 

الأحد: 19_ جُمادى الآخرة 1424 هـ

 

الزرقاء _الأردن

 .

 

.

 

.

 

إنّ الحمد للَّه؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا؛ مَن يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أنْ لا إله إلا اللَّه _ وحده لا شريك له _.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

فإِنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وخَيْرَ الهديِ هديُ محمدٍ _ صلى اللّه عليه وسلم _، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.

 

... فقبل خمسِ سنوات كاملةٍ _ من أيَّامِنا هذه –هَزَّت شَرْقَ بلاد الحرمين الشريفين _ أعزّها اللَّهُ بالإسلام والسّنةِ _ في مدينة (الخُبَر) _ انفجاراتٌ عنيفةٌ، وتدميراتٌ مخيفةٌ؛ أوقعت تقتيلاً بين عددٍ ليس بالقليلِ من مواطنيها، والمقيمين فيها _ من مسلمينَ ومُستأمَنين _؛ فضلاً عَمَّا هدَّمته من المباني والمنشآت، والمواقع والمؤسّسات.

 

فتصدَّت (هيئة كبار العُلَماء) _ المُوقَّرة _ يومَها _ برئاسة سماحة أُستاذنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز - رحمه اللَّه _ بتاريخ: (2/4/1419هـ) لهذا الإفسادِ؛ مُصْدِرَةً بيانًا علميّاً قويّاً (14)؛ تستنكرُ فيه هذا العَمَلَ الشَّنيعَ، وتُبَيِّنُ حُكْمَ الشّرعِ الحنيفِ فيه؛ بأثبَتِ حُجَّة، وأبْيَنِ دليل.

 

فكانت أصولُ هذا البيان _ وللَّهِ الحمدُ _ كما هو نصُّهُ _ قائمةً في النقضِ على (ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية _ وغيرها _ من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت...).

 

وذلك (نظرًا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتَّب عليه مِن إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة، وإخافة للناس، وزعزعة لأمنهم واستقرارهم...).

 

وبالتالي؛ فإِنَّ (التَّسرُّعَ في التَّكفيرِ يترتَّبُ عليهِ أُمورٌ خطيرةٌ؛ مِنَ استحلالِ الدَّم والمالِ، ومنعِ التَّوارُثِ، وفسخِ النِّكاحِ، وغيرِها ممَّا يترتَّبُ على الرِّدَّةِ…

 

فكيفَ يسوغُ للمؤمنِ أَنْ يُقْدِمَ عليهِ لأَدنى شبهةٍ؟!

 

وإِذا كانَ هذا في وُلاةِ الأُمورِ: كانَ أَشدَّ؛ لما يتَرَتَّبُ عليهِ منَ التَّمرُّدِ عليهمْ، وحملِ السِّلاحِ عليهمْ، وإِشاعةِ الفوضى، وسفكِ الدِّماءِ، وفسادِ العبادِ والبلادِ).

 

وعليه _ كما يقول البيان _ أيضاً _ وهو عينُ الحقِّ _ فـ (إن الإسلام بريءٌ من هذا المعتقَد الخاطئ، وأن ما يجري في بعض البلدان (15) من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن، والمركبات، والمرافق _ العامّة والخاصّة _ وتخريب للمنشآت: هو عمل إجرامي، والإسلام بريءٌ منه.

 

وهكذا كلُّ مسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر: بريءٌ منه، وإنما هو تصرُّفٌ من صاحب فكر منحرف، وعقيدة ضالّة...).

 

وفي هذه الأيّام _ وبعد سنواتٍ خمسةٍ تمام _ تَكرّر هذا العملُ الشنيعُ _ نفسُهُ _؛ فوقعت مرَّةً أخرى _ وبصورةٍ أقبحَ _ انفجاراتٌ مُدَوِّيَةٌ؛ هزَّت مواقعَ عدَّة: وَسَطَ بلاد الحرمين الشريفين _ وفي قلب العاصمة (الرياض) _؛ مُحْدِثَةً أضراراً أكبر، وتقتيلاً أشدَّ _ بين المسلمين، والمستأمَنين من غير المسلمين _.

 

وكأنَّ الفاعلين _ أولئك _ بفعائلهم هذه _ يَبعثون برسالةٍ سافِرَةٍ إلى سائر فئات الناس _ هنالك _ حكامًا، وعلماءَ، وعامّةً _ مؤالفين لهم ومخالفين _ أنهم قادرون على (التَّحرُّكِ) _كما يريدون !_ طولاً وعرضاً !!!

 

فإذا بـ (هيئة كبار العلماء) _ الموقَّرة _ سدّدها اللَّهُ _ برئاسة سماحة الشيخ المفتي عبد العزيز بن عبد اللَّه آل الشيخ _ حفظه اللَّه _؛ تُصدر _ مرَّةً أخرى _ بتاريخ (13/3/1424هـ) بيانًا آخرَ؛ تستنكرُ فيه هذا العملَ الشنيعَ، وتُبَيِّنُ حكم الشرع فيه.

 

ولقد خُتم هذا البيانُ _الجديدُ_ بعد كلامٍ وكلامٍ _ بقولِ الهيئة الموقَّرة:

 

(ثم لْيَعلم الجميع أن الأمة الإسلامية _ اليوم _ تُعاني من تسلُّط الأعداء عليها من كل جانب، وهم يفرحون بالذرائع التي (تُسَوِّغ) لهم التَّسلُّط على أهل الإسلام، وإذلالهم، واستغلال خيراتهم.

 

فَمَنْ أعانهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغرًا لهم: فقد أعان على انتقاص المسلمين، والتسلُّط على بلادهم.

 

وهذا مِن أعظم الجُرم).

 

قلتُ:

 

والنّاظرُ _ بدقَّةٍ، و(شَفَافِيَةٍ) _ دُونَ أيَّةِ مُجاملَةٍ _ يرى أنَّ كلا البيانين _ نرجو اللَّهَ أَن ينفعَ بهما _ جاءا بمثابةِ مَحْضِ ردود أفعالٍ؛ استجابةً لواقع طارئ، وليس علاجًا لمشكلةٍ لها بداياتُها وبوادرُها، ولها إرهاصاتُها ومقدّماتُها..

 

وهذا أمرٌ _ في نفسه _ ليس بالمعيبِ _ البتَّةَ _؛ ذلكم أنَّ الاستجابةَ لواقعٍ طارئٍ يُعالَجُ به انحرافٌ _ ما _، ويُرَدُّ به طغيانُهُ: أمرٌ حَسَنٌ جيِّد؛ لِما يحملُهُ بين طيَّاتهِ مِن معنى التقويم والتصحيح.

 

ولكنّ الأصلَ _ الكاملَ التامَّ _ الذي ليس عنه مَحِيدٌ، ولا منه مُتَحَوَّلٌ: هو أن يكونَ هذا العلاجُ قطعيًّا؛ يجتثُّ الداءَ من أساسه، ويستأصلُ شَأْفةَ الأسباب مِن جذْرها؛ بمعرفة الدوافع والمسبِّبات.

 

ولستُ أوردُ هذا التنبيهَ والتَّنويهَ _بِما يحملُه مِن صراحَةٍ _ هَهُنا _ إلاَّ استكمالاً لدائرة الخير، وتكميلاً لطريق الحقِّ، وتواصلاً مع أهل العلم؛ لا انتقاصاً لفضْلٍ، ولا شماتةً من موقفٍ _ والعياذُ باللَّهِ _...

 

فَمشايخُنا _ أهلُ العلم _ هم مِرآةُ أنفسِنا _ وللَّهِ الحمدُ_، ونحن معهم _ بمنّة اللّه _ حالٌ واحدٌ؛ تذكيراً، وتتميماً، ورسالةً _ رُغْمَ أُنوف المُشكِّكين، والمُتشكِّكين _.

 

وإنني إِذْ أقولُ هذا الكلامَ _ في هذا المقامِ _: أقولُه_ عارفاً قَدْرَ نفسي معهم _ مستحضراً _ تماماً _ قولَ النبي _ صلى اللَّه عليه وسلم _ في وصف الفئة المؤمنة _ كما في الحديث المتفق على صحّته _ «... يسعى بذمَّتهم أدناهم»؛ فَلْيَسَعْهُم _ حفظ اللَّهُ أحياءَهم، ورَحِم أمواتَهم _ قولي، ولْيأخذوا بأحسنِه_ زادهم اللَّهُ توفيقاً وتسديداً _؛ ففضلُهم سابقٌ، وبِرُّهم لاحقٌ...

 

والكمال عزيزٌ.

 

ولقد وضَعَ بيانُ (هيئة كبار العلماء) _ الأوّل، والأقوى _ يدَه على موضعِ الجرح، وتحسَّس حقيقةَ الداء، وحسمَ أسباب البلاء... فجاء البيان _ في سطوره الأولى _ قويّاً جدّاً في التحذير من (التكفير والتفجير)؛ رَبْطاً بينهما، وتَنْفيراً مِنهما...

 

نعم؛ إن السبب الحقيقيَّ الرئيسَ وراء هذا الخروج المدوِّي الصَّارخِ على أولياء الأُمور _ علماءَ وحكَّامًا _ عند هذهِ الفئةِ المنحرفةِ _ هو عدمُ اعتبار شرعيّتهم _ أصلاً _، ونفيُ الإقرار بمرجعيّتهم _ فرعاً _؛ مع كون المعلوم _ عقلاً ونقلاً _ عند كلِّ ذي فِطنةٍ وفقهٍ _ أنَّ الولاية المعتبرة _ بين العلماء والحكام _ دِيناً ودُنْيا _ مُرتبِطٌ بعضُها ببعضٍ ارتباطًا وثيقًا؛ يستمدُّ كلٌّ منهما عواملَ بقائهِ وكينونتهِ من طرفهِ الآخر...

 

وإنْ كان هذا التأصيلُ الشرعيُّ الصحيحُ لا يُدْرِكُهُ إلاَّ القليلون ! ولا يستوعبُهُ إلاَّ الأقلُّون !!

 

فإذا عَرَفنا _ ونحن عارفون يقينًا _ أنَّ الفاعلين هذه الفعائلَ _ هؤلاء _ يكفِّرون جميعَ الحُكّام المسلمين _ بغير استثناء ! _، ويحكمون عليهم بالرِِّدّة، والخروج من الملّة، وأنّهم _ أي : الحُكَّام _ أثراً ونتيجةً _ عند هؤلاءِ ! _ لا شرعية لهم، ولا مسوِّغ لوجودهم؛ وعليه: فإنَّ قتالَهُم جهادٌ، وَقتلَهم أجرٌ، وَالموتَ على أيديهم شهادةٌ (16) !!

 

وفي ظنِّي الغالب _ وأرجو أن لا يكونَ بخائب ! _ أنّه لو (استُعمل) _ و(طُبِّقَ) _ مع هؤلاءِ المنحرفين والمفسدينَ _ جانبُ الضبط المنهجيِّ، والتأصيل السّنِّي _ منذ ذلك التاريخ الأول (1419هـ) _ أكثرَ؛ بقوّةٍ وإصرارٍ _ لَما كان لهُم _ واللَّهُ أعلمُ _ أدنى قُدرة _ وأقلُّ حَوْلٍ _ يُمكِنُهُم به _ مِن جديد _ أن يضربوا بِهذه اليد الحديد !!

 

وما هذا هكذا _ وبصورةٍ أشدَّ ! _ في تاريخِنا الحالي هذا (1424هـ) _ مكرَّراً !! _ والعلمُ عند ربِّي _ إلا بسبب التراخي في التعامُل مع غَلْوائِهم، وتخفيف النَّكير عليهم...

 

ولو كانَ ثمّةَ عَزْمٌ وحَزْم.. لكان معه _ وبه _ قَطْعٌ وحَسْم!!

 

ولكنْ ... لا قُوَّةَ إلا باللَّهِ...

 

ومَعَ هذا _ كُلِّهِ_؛ فلم يَفُتِ الفَوْتُ، ولم يذهبِ الوقتُ؛ فإنَّ كُلَّ ذي صدقٍ مع نفسِه وإخوانه _ ومشايِخه _مَدْعوٌّ لأَنْ يُسَخِّرَ قُدُراتِه _ جميعاً _ لإيجادِ التكاملِ المعرفيِّ والتطبيقيِّ (17) _ مع المشايخ والعُلماء _ تحقيقاً لِلمُثُلِ الشَّرعيَّة العُليا، والمقاصد الدينيَّة الفُضْلَى _ عِلماً وعَمَلاً _؛ مِن غير وقوفٍ في طريقٍ، ومِن دون توقُّفٍ عن مطلوبٍ...

 

ثُمَّ؛ لمْ يكَدِ المسلمون في بلاد الحرمين الشريفين – في شرق العالَم – يستيقظون من هَوْلِ صدمة هذا التفجير _ الأخير _: إلاَّ وضَربتْ بلادَ المغرب الإسلاميِّ – في غربِ العالَم – تفجيراتٌ أخرى صادعةٌ؛ ذهبَ ضحيَّتَها _ أيضاً _ العشراتُ مِن المسلمين، والمستأمَنين مِن غير المسلمين...

 

... وكلُّ ذلك يجري _ ويقعُ _ باسم الإسلام ! وبتوقيع المسلمين !!

 

ثم عَقِبَ هذا وذاك _ بأسابيع قليلة _ إذا بهؤلاءِ _ أنفسهم _ ينتهكون حُرمةَ بَلد اللَّهِ الحرامِ _ مكَّة _؛ ليُعْمِلوا فيها أسلحتَهم: استباحةً وتقْتِيلاً؛ مُستمدِّين صنائعَهم الباطلة _ هذه _ (مِن منهجيَّةٍ منحرفةٍ، ضالَّةٍ غيرِ سويَّة، ونبتةٍ غريبةٍ) سُقيت بماءِ (الغلوِّ الاعتقادي؛ الذي مِن سماته التكفيرُ)؛ ممّا هو معدودٌ (مِن أخطر أنواع الغُلُوِّ؛ لأنَّه المِحورُ الذي تشعَّبت عنه الفِرَقُ المختلفةُ في الإسلام) (18).

 

وهكذا يُلَقَّنُ كثيرٌ من الشباب المتحمِّس لدينهِ، المحبِّ لربِّه، المتَّبِع لنبيِّه _ صلى اللَّه عليه وسلم _ هذه المفاهيمَ المنحرفةَ المخالفةَ للعقلِ والنقلِ، التي يُلْبِسُها مُصَدِّروها _ بجهلهم _ لَبُوسَ