تقديم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا
، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي
له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
فإن مما " لا يختلف
]فيه
[المسلمون
، أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب
، وأكبر الكبائر ، وأن إثمه أعظم من إثم قتل
النفس ، وأخذ الأموال ، ومن إثم الزنا ، والسرقة
، وشرب الخمر ، وأنه معرض لعقوبة الله وسخطه ،
وخزيه في الدنيا والآخرة "
.
وقد وردت الآيات القرآنية تترى في تعظيم قدر
الصلاة ، وبيان شديد إثم تاركها أو المتهاون بها
:
قال تعالى :
]فخلف
من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات
فسوف يلقون غيا ، إلا من تاب ..[
.
وقال سبحانه :
]
فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ،
الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون
[.
وقال جل شأنه :
]
ما سلككم في سقر ، قالوا لم نك من المصلين[
.
... إلى غير ذلك من آيات كريمات ، تقرع الآذان ،
وتصك الأسماع .
وقد جاءت أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أخبر فيها عن عظيم الذنب الذي يتلبس به
تارك الصلاة ، أو المتهاون بها ، أو المتخاذل
عنها :
فقال صلى الله عليه وسلم :
" بين العبد وبين الشرك
ترك الصلاة "
.
وقال صلى الله عليه وسلم :
" العهد الذي بيننا
وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر "
.
وقال صلى الله عليه وسلم :
" من ترك الصلاة متعمداً
فقد برئت منه ذمة الله "
.
قلت: وإزاء هذه النصوص القرآنية ، والنبوية:
اختلف الأئمة والعلماء في تكفير متعمد ترك
الصلاة :
قال الإمام البغوي في " شرح السنة " ( 2 / 178 ـ
179 ) :
" اختلف أهل العلم في تكفير تارك الصلاة
المفروضة عمداً ... " .
ثم ذكر طائفة من أسماء المختلفين في ذلك .
وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " ( 1 / 369 )
تعليقاً على حديث جابر المتقدم إيراده :
" الحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر
، ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة
منكراً لوجوبها ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام
، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب
الصلاة .
وإن كان تركه لها تكاسلاً
مع اعتقاده لوجوبها – كما هو حال كثير من الناس
- فقد اختلف الناس في ذلك ... " .
ثم نقل – بعد ذلك نبذاً من الخلاف – مشهور قول "
الجماهير من السلف والخلف – منهم مالك والشافعي
– إلى أنه لا يكفر ، بل يفسق ، فإن تاب وإلا
قتلناه حداً ، كالزاني المحصن ..." إلخ ..
وقال ابن حبان في " صحيحه " ( 4 / 324 ) :
" أطلق المصطفى صلى الله عليه وسلم اسم الكفر
على تارك الصلاة؛إذ ترك الصلاة أول بداية الكفر
، لأن المرء إذا ترك الصلاة واعتاده:ارتقى منه
إلى ترك غيرها من الفرائض، وإذا اعتاد ترك
الفرائض : أداه ذلك إلى الجحد ، فأطلق صلى الله
عليه وسلم النهاية التي هي آخر شعب الكفر على
البداية التي هي أول شعبها ، وهي ترك الصلاة " .
ثم قال رحمه الله مبوباً
: " ذكر خبر يدل على صحة ما ذكرنا : أن العرب
تطلق اسم المتوقع من الشيء في النهاية على
البداية " ، وبعد إيراده قول النبي صلى الله
عليه وسلم : " المِراءُ في القرآن كفر "
، قال :
" إذا مارى المرء في القرآن ؛ أداه ذلك – إن لم
يعصمه الله – إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه
، فأطلق صلى الله عليه وسلم اسم الكفر – الذي هو
الجحد – على بداية سببه الذي هو المِراءُ " .
فترك الصلاة شأن كبير ، وأمر خطير ، يودي -
عياذاً بالله –إلى الردة عن الدين ، واللحوق
بالكفار والمشركين .
وإذ اختلف العلماء
والأئمة ، في هذه المسألة المهمة: كان الواجب
على طلاب العلم التأني والتوقي ، لا أن يعالجوا
كل تارك للصلاة بالوصم بالتكفير والردة ، بكل
غلاظة وشدة ؛ إذ "
الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ،
ودخوله في الكفر ؛ لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله
واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من
شمس النهار ، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة ،
المروية من طريق جماعة من الصحابة
أن : " من قال لأخيه : يا كافر ؛ فقد باء بها
أحدهما " ... وفي لفظ في " الصحيح " : " ... فقد
كفر أحدهما " .
ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر ،
وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير .
وقد قال الله عز وجل :
]
ولكن من شرح بالكفر صدراً
[
؛ فلا بد من شرح الصدر بالكفر ، وطمأنينة القلب
به ، وسكون النفس إليه "
.
نعم ؛ قد تدفع الغيرة والعاطفة بعض أهل العلم ،
أو طلابه إلى الحكم بتكفير كل تارك للصلاة ، دون
اعتبار لجحود أو كسل ! حرصاً – في ظنهم – على
الترهيب الشديد من هذا العمل الجلل ، ورغبة –
كما توهموا – في درء أي تساهل في الصلاة وحكمها
( قد ) يؤدي إلى التسيب في هذا الركن الإسلامي
العظيم !
وقد يستدل ( بعض ) من هؤلاء العلماء أو الطلاب
على ذلك بشيء من الأدلة القرآنية أو النبوية
التي سبقت أو غيرها ، لكن دون جمع بين الدلائل
الواردة في هذه المسألة سلباً أو إيجاباً –
حيناً – أو بتقصير في هذه الجمع – أحياناً - ! !
ولست في هذه المقدمة –
فضلا عما سيأتي في رسالة شيخنا – بمستوعب القول
في دلائل المختلفين في هذه المسألة العظيمة ،
وتحقيق مدارك الخلاف والنظر فيها ، فإن لهذا
موضعاً آخر
، ولكني أكتفي هنا بذكر تنبيهات علمية مهمة قد
تغيب عن عدد من طلاب العلم ، فأقول :
أولاً :
قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل في وصيته
لتلميذه الإمام الحافظ مسدد بن مسرهد
:
" ... ولا يُخرِجُ الرجل
من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم ، أو يرد
فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بها ، فإن
تركها كسلاً أو تهاوناً : كان في مشيئة الله ؛
إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه ... "
.
قلت :
وهذا هو صريح ما جاءنا في الكتاب والسنة بعموم
الحكم ، وخصوص مسألة ترك الصلاة :
قال الله تعالى :
]
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء
[
.
وقال صلى الله عليه وسلم :
" خمس صلوات كتبهن الله
على العباد ، فمن جاء بهن ، ولم يضيع منهم شيئاً
استخفافاً بحقهن ، كان له عند الله عهد أن يدخله
الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد ،
إن شاء عذبه ، وإن شاء أدخله الجنة "
.
ثانياً :
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب،رحمه الله تعالى
– كما في "الدرر السنية" (1/70) - ، جواباً على
من سأله عما يُكفَّرُ الرجل به ؟ وعما يُقاتل
عليه ؟ فقال رحمه الله :
" أركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان ، ثم
الأركان الأربعة ؛ إذا أقر بها وتركها تهاوناً ،
فنحن وإن قاتلناه على فعلها ، فلا نكفره بتركها
، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من
غير جحود ، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء
كلهم ؛ وهو الشهادتان " .
ثالثاً :
يستدل بعض أهل العلم في تكفيرهم تارك الصلاة
بآية من القرآن العظيم يجعلونها عماد أدلتهم في
التكفير ؛ وهي قوله
جل شأنه :
]
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم
في الدين
[
.
قالوا : وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى
اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين إقام
الصلاة ، فمن لم يقم بها ، فلا يعد أخاً لنا في
الدين !
فالجواب على هذا الاستدلال من وجهين :
الأول : قال الإمام ابن عطية في " المحرر الوجيز
" ( 8 / 139 – طبع المغرب ) :
" تابوا : رجعوا عن حالهم ، والتوبة منهم تتضمن
الإيمان " .
فإقامة الصلاة مشروطة ومسبوقة بالتوبة التي هي
متضمنة للإيمان ، إذ ذكر الله التوبة قبل ذكر
الصلاة أو الزكاة ، فدل ذلك على أنها هي قاعدة
الأصل في الحكم بأخوة الدين .
لذا قال الطبري في " جامع البيان " ( 18 / 86 )
:
" يقول جل ثناؤه : فإن رجع هؤلاء المشركون –
الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم – عن كفرهم
وشركهم بالله إلى الإيمان به وبرسوله ، وأنابوا
إلى طاعته ، وأقاموا الصلاة المكتوبة ، فأدوها
بحدودها، وآتوا الزكاة المفروضة أهلها: فهم
إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به ، وهو
الإسلام " .
ويدل على ما سبق :
الوجه الثاني :
أنه قرن بالصلاة الزكاة ، فهل من تاب وأقام
الصلاة لكنه لم يزك : لا يكون أخاً في الدين ،
عليه ما على المسلمين ، وله ما للمسلمين ؟!
إن قيل : لا ، بل هو أخ في الدين !
قلنا : ما هو دليل التفريق في الآية بين الصلاة
والزكاة ، وهما مذكورتان بالترتيب والتساوي عقيب
التوبة ؟
وإن قيل : ليس أخاً في الدين !!
قلنا : هذا باطل من القول بيقين ، ليس عليه أي
دليل !
رابعاً :
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" يدرس الإسلام كما يدرس وشيء الثوب ، حتى لا
يدرى ما صيام ، ولا صلاة ، ولا نسك ، ولا صدقة .
وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى
في الأرض منه آية ، وتبقى طوائف من الناس :
الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا
على هذه الكلمة :" لا إله إلا الله " فنحن
نقولها " .
رواه ابن ماجة ( 4049 ) والحاكم ( 4 / 473 ) من
طريق أبي معاوية ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن
ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً .
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وصححه – أيضاً –
البوصيري في " مصباح الزجاجة " ، وقواه الحافظ
ابن حجر في " فتح الباري " ( 13 / 16 ) .
وقد أعل
( بعضهم ) الحديث وضعفه ؛ لكلام في أبي معاوية !
وهو غير ضاره .
ومع ذلك فقد خفيت ( عليهم ) متابعة جليلة :
فقد روى الحديث عن أبي مالك : أبو عوانة بإسناده
ومتنه ، كما قال البوصيري في " المصباح "
( 3 / 254 ) .
وأبو عوانة : ثقة ثبت رضي .
وقال شيخنا الألباني في كتابه المعطار " سلسلة
الأحاديث الصحيحة " ( 1 / 130 – 132 ) تعليقاً
على هذا الحديث الصحيح :
" هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة ؛ وهي أن
شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود
في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من
أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها .
ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك
الصلاة خاصة ، مع إيمانه بمشروعيتها ، فالجمهور
على أن لا يكفر بذلك ، بل يفسق ، وذهب أحمد
]
فيما يذكر عنه
[
إلى أنه يكفر بتركها ، وأنه يقتل ردة ، لا حداً
.
وقد صح عن الصحابة أنهم
لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
رواه الترمذي والحاكم
.
وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور ، وأن ما ورد عن
الصحابة ليس نصاً على أنهم كانوا يريدون بـ (
الكفر ) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا
يحتمل أن يغفره الله له ، كيف ذلك وحذيفة بن
اليمان – وهو من كبار أولئك الصحابة – يرد على
صلة ابن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم
أحمد له ، فيقول : " ما تُغني عنهم لا إله إلا
الله ، وهم لا يدرون ما صلاة ... " فيجيبه حذيفة
بعد إعراضه عنه : " يا صلة تنجيهم من النار "
ثلاثاً .
فهذا نص من حذيفة رضي
الله عنه على أن تارك الصلاة ، - ومنها بقية
الأركان
- ليس بكافر ، بل هو مسلم ناج من الخلود في
النار يوم القيامة .
فاحفظ هذا فإنك قد لا تجده في غير هذا المكان .
ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " ( 84 / 2 )
للحافظ السخاوي ، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض
الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي
مشهورة معروفة :
" ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها
جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين ،
لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين
، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه ، وإلا قتل .
وأما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً ، مع
اعتقاده بوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به
الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه – على الصحيح أيضاً
– بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري –
كأن يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس ، أو
المغرب حتى يطلع الفجر – يستتاب كما يستتاب
المرتد ، ثم يقتل إن لم يتب ، ويغسل ويصلى عليه
ويدفن في مقابر المسلمين ، مع إجراء سائر أحكام
المسلمين عليه .
ويؤول إطلاق الكفر عليه
لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه ، وهو وجوب
العمل ، جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً
عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خمس صلوات
كتبهن الله – فذكر الحديث ، وفيه : " إن شاء
عذبه ، وإن شاء غفر له "
، وقال أيضاً : " من مات
وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة "
، إلى غير ذلك .
ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة
ويورثونه ، ولو كان كافراً لم يغفر له ، ولم يرث
ولم يورث " اهـ .
خامساً : يجيب بعض أهل العلم على عدد من
الأحاديث الواردة في هذه المسألة مما يفيد شمول
عفو الله سبحانه ومغفرته ورحمته لبعض من تاركي
الصلاة التي هي دون الشرك – كما قال جل شأنه :
]
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء
[
- كمثل حديث البطاقة
، وحديث الشفاعة الآتي وغيرها من الأحاديث ، بأن
يقول ( هؤلاء ) : " هذه أحاديث ( عامة ) وأحاديث
تكفير تارك الصلاة ( خاصة ) " !
أقول : ولو عكس ( هؤلاء )
– وفقهم الله – قولهم لكانوا أقرب إلى الصواب !
كما هو معروف من قاعدة الوعد والوعيد
عند أهل السنة فيما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله في مواضع عدة من كتبه كـ " مجموع
الفتاوى " ( 4 / 484 ) ، ( 8 / 270 ) ، ( 11 /
648 ) ، ( 23 / 305 ) وغيره .
وخلاصة القول في هذه القاعدة :
أن نصوص الوعيد داخلة تحت مشيئة الله سبحانه ،
إما عفواً ، وإما تنفيذاً .
وأما نصوص الوعد فإن الله
منفذها ، كما كتب – سبحانه - على نفسه
.
وفي ذلك يقول من يقول من أهل العلم مستدلاً على
أصل هذه القاعدة :
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وأنظر " شرح العقيدة الطحاوية " ( ص 318 ) .
سادساً :
من أعجب العجب – بعد ما سبق – أن يقول ( البعض )
واصفاً القول بعدم تكفير تارك الصلاة ، مع إثبات
فسقه وفجوره : بأنه إرجاء ؟!
فما هو الإرجاء عند هؤلاء ؟!
وما هي حدوده
؟! وما هي ضوابطه ؟!
.. وبعد هذا السابق كله ؛ فإننا نؤكد ونبين بكل
صراحة ووضوح أن تارك الصلاة مجرم فاجر ، وآثم
فاسق ، يخشى عليه – عياذ بالله – من الردة
والكفر ، والخروج من الإسلام والشرك ، إن لم
يسارع بالتوبة والإنابة ، والاستغفار والهداية ،
أو إن لم يتغمده الله – سبحانه – بعفوه وعنايته
.
وأخيرا :
" فإن هذه المسألة من
مسائل العلم الكبرى ، وقد تنازع فيها أهل العلم
سلفاً وخلفاً "
، فالبحث فيها يجب أن يكون بروح طيبة وعقل منير،
ونظر سديد ، بعيد عن التعصب ، مع اطراح التقليد
، إذ هذا كله يوصل إلى معرفة الحق ، والوقوف
عليه ، والدعوة إليه .
وهذه الرسالة
لشيخنا العلامة المحدث المحقق محمد ناصر الدين
الألباني – حفظه الله سبحانه – مثال حسن على ما
قدمته ، نقدمها للإخوة القراء ، رغبة في نشر
العلم ، وطمعاً في تحصيل الثواب ، واستجابة لأمر
الله سبحانه بالرد – عند الاختلاف – إليه وإلى
رسوله صلى الله عليه وسلم :
]
... فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير
وأحسن تأويلاً
[
.
فلا يمنعن أحداً من قارئي هذه الرسالة إلفُهُ أو
عادته ، أو ما نشأ عليه أو تلقنه : من أن يقبل
الحق وينصاع إليه ، ويجاهد دونه ، إذ الحق أغلى
ما يطلب ، وأعز ما يرغب .
فالله العظيم نسأل التوفيق والسداد ، والرشد
والرشاد ، وهداية من صل من العباد ، وقصم من
تلبس بالكفر والعناد .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وكتب :
علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد
الحلبي الأثري
يوم الأربعاء : السابع عشر من شهر رجب
سنة اثنتي عشرة وأربع مئة وألف للهجرة .
مقدمة المؤلف
إن الحمد لله ، نحمده و نستعينه و نستغفره ، و
نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ،
من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له
.
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
و أشهد أن محمدا عبده و رسوله .
أما بعد : فهذا بحث علمي لطيف ، في تخريج و شرح
حديث نبوي شريف ، أصله من أحاديث المجلد السابع
من كتابي : (( سلسلة الأحاديث الصحيحة ))()
، و رأيت إفراده بالنشر لأهميته و كبير فائدته ،
و ذلك بعد أن رآه بعض إخواننا ، فاقترح علي نشره
مفردا ، من باب الاستعجال بالخير ، فوافق ذلك ما
عندي ، فدفعت صورة منه إلى صاحبنا و تلميذنا
الشاب علي بن حسن الحلبي ليقوم بتهيئته للنشر ،
و إعداده للطبع ، مع كتابة مقدمة علمية له ،
تقرب فوائده للقراء الأفاضل .
و قد فعل ذلك كله – جزاه الله خيرا – ؛ ثم أشرف
على طباعته ، و تصحيحه ، و مراجعته .
و في آخر هذه المقدمة الوجيزة ، أسأل الله
سبحانه أن ينفع بهذا البحث العلمي من يقرؤه و
ينظر فيه ، إنه سميع مجيب .
فأقول و بالله التوفيق :
متن الحديث :
روى الإمام معمر بن راشد في (( الجامع )) ( 11 /
409 – 411 ، الملحق بـ (( مصنف عبد الرزاق()
)) ) عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي
سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
(( إذا خلص المؤمنون من النار و أمنوا ، فـ [ و
الذي نفسي بيده ] ما مجادلة أحدكم لصاحبه في
الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين
لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار .
قال : يقولون : ربنا ! إخواننا كانوا يصلون معنا
، و يصومون معنا ، و يحجون معنا ، [ و يجاهدون
معنا ] ، فأدخلتهم النار !
قال : فيقول : اذهبوا ، فأخرجوا من عرفتم منهم .
فيأتونهم ؛ فيعرفونهم بصورهم ، لا تأكل النار
صورهم ، [ لم تغش الوجه ] ، فمنهم من أخذته
النار إلى أنصاف ساقيه ، و منهم من أخذته إلى
كعبيه()
، [ فيخرجون منها بشرا كثيرا ] ، فيقولون : ربنا
! قد أخرجنا من أمرتنا .
قال : ثم [ يعودون فيتكلمون فـ ] يقول : أخرجوا
من كان في قلبه مثقال دينارمن الإيمان .
[ فيخرجون خلقا كثيرا ] ثم [ يقولون : ربنا ! لم
نذر فيها أحدا ممن أمرتنا.
ثم يقول : ارجعوا ، فـ ] من كان في قلبه وزن نصف
دينار [ فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم
يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا ... ] ..
حتى يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [
فيخرجون خلقا كثيرا ] .
قال أبو سعيد :
فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية :
]
إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها
و يؤت من لدنه أجرا عظيما
[().
قال : فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا ، فلم
يبق في النار أحد فيه خير !
قال : ثم يقول الله : شفعت الملائكة ، و شفعت
الأنبياء ، و شفع المؤمنون ، و بقي أرحم
الراحمين .
قال : فيقبض قبضة من النار – أو قال : قبضتين –
ناسا لم يعملوا خيرا قط ، قد احترقوا حتى صاروا
حمما .
قال : فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : ( الحياة ) ،
فيصب عليهم ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل
السيل ، [ قد رأيتموها إلى جانب الصخرة ، و إلى
جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر
، و ما كان منها إلى الظل كان أبيض ] .
قال : فيخرجون من أجسادهم مثل اللؤلؤ ، و في
أعناقهم الخاتم ( و في رواية : الخواتم ) ،
عتقاء الله .
قال : فيقال لهم : ادخلوا الجنة ، فما تمنيتم
و رأيتم من شيء فهو لكم [ و مثله معه ]()
، [ فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ،
أدخلهم الجنة بغير عمل
عملوه ، و لا خير قدموه] .<