þ الإخلاصُ :
سِرُّ العبوديَّة ....
بقلم : علي بن حسن
الحلبي الأثري
مِن غُرَرِ دُرَرِ
كلماتِ الإمام ابن قيّم الجوزيّةِ – ر حمه الله –
قولُهُ (1) :
» لا يجتمعُ الإخلاصُ في
القلبِ ومحبّةُ المدحِ والثناء ، والطمعُ فيما
عندَ الناس ؛ إلا كما يجتمعُ الماءُ والنّارُ ،
والضبُّ والحوتُ :
فإذا حَدَّثَتكَ نفسُكَ
بطلبِ الإخلاصِ فَأقبِل على الطَّمعِ – أولاً –
فاذبحهُ بسكّينِ اليأس ، وأقبِل على المدحِ
والثّناءِ : فازهَد فيهما زُهدَ عُشّاقِ الدُّنيا
في الآخرة ، فإذا استقام لكَ ذبحُ الطمعِ والزّهدُ
في الثناءِ والمدح : سَهُلَ عليكَ الإخلاص .
فإن قلتَ : وما الذي
يُسَهِّلُ عليَّ ذبحَ الطمعِ ، والزُّهدَ في
الثناءِ والمدح ؟
قلتُ : أمّا ذبحُ الطمعِ
؛ فيُسهِّلُهُ عليك علمُك – يقيناً – أنّه ليس من
شيءٍ يُطمَعُ فيه إلا وبيدِ الله – وحدَهُ –
خزائنه لا يمتلكها غيرُه ، ولا يؤتي العبدَ منها
شيئاً سواهُ .
وأمّا الزهدُ في الثناءِ
والمدحِ ؛ فَيُسهِّلُهُ عليكَ علمُكَ أنّهُ ليسَ
أحدٌ ينفعُ مدحُهُ ويَزين ، ويضرُّ ذمُّهُ ويَشينُ
إلا الله – وحدَه – ؛ كما قال الأعرابيُّ للنبيِّ
: إن مدحي زَينٌ ، وذَمّي شَينٌ ، فقال : » ذلكَ
الله – عزَّ وجلّ – «(2) .
فَازْهَد في مدحِ مَن لا
يزينُكَ مدحُهُ ، وفي ذمِّ مَن لا يَشينُكَ ذمُّهُ
، وارغبْ في مدحِ مَن كُلُّ الزَّينِ في مدحِهِ ،
وكلُّ الشَّينِ في ذمِّه .
ولن يُقدَرَ على ذلكَ
إلا بالصبرِ واليقين ؛ فمتى فقدتَ الصبرَ واليقينَ
كنت كَمَن أرادَ الســــفرَ في البـــحـــرِ في
غـــيرِ مـــركب؛ قـــال –تعالى –: {
فاصْــــبِـــر إنَّ وَعْــــدَ اللهِ حــــقٌّ
ولا
يســـتخِفنَّكَ الذينَ
لا يوقِنونَ }، وقــــال – تعالى – : {
وجَـــعَلْنا مــنهم أَئِمةً يهــدونَ بأمـــرِنا
لمّا
صَبَروا وكانوا بآياتِنا
يوقِنون } « .
أقول :
هذه كلماتٌ عاليات ،
وإضاءاتٌ غاليات ؛ كنتُ قرأتُها للمرّةِ الأولى –
قديماً جداً –
قبل نحوِ رُبعِ قرنٍ من
الزّمان ، وكان لها – وَرَبّي – أثَرٌ كبيرٌ في
نَفْسي ؛ تربيةً ، وجهاداً ، وفقهَ نفسٍ .
مع أنَّ المعلومَ
–بداهةً– عند كُلِّ ذي نظر – : أنَّ النفسَ
الإنسانيةَ كثيراً ما تجمحُ على أصحابها ، وتَجنحُ
بأربابِها ؛ مما يستدعي لها المزيدَ من الاهتمام !
والكثيرَ مِن الإصلاح للتّمام !!
فاللهمَّ سَلِّمْ
سَلِّمْ …
وبعدَ ذي السَنواتِ –
كلِّها – نبَّهَني إلى هذه الكلماتِ – مِن جديد –
أَحَدُ إخواني الأفاضِل – جزاه الله خيراً –
ناصحاً أميناً – ضِمنَ مُناسبةٍ عَرَضَت – نَعَبَ
فيها بعضُ الغرابيب ، بكلامٍ غريبٍ عجيب ؛ ذكّرني
بما رواه البُخاري في » الأدَب المفرَد « ( 592 )
عن أبيِ هُرَيرة – رضي الله عنه – أنّه قال :
» يُبصِرُ أحدُكم
القَذَاةَ في عينِ أخيهِ ، ويَنسى الجِذْعَ – أو
الجِذْلَ –في عينيه معترضاً « (1) !!
وَمَعَ ذلك ، فَهأنذا
أتحسّسُ قَذاتي ، وأتلمّسُ آفاتي ، وأسالُ ربّي –
سبحانهُ – أن يغفرَ لي سَيِّئاتي ، ويستُرَ عليَّ
زلاّتي …
ولقد كان الباعثُ لذلكَ
التذكيرِ : كلمةً مُهِمّةً سمِعها بعضُ إخواني
الأفاضل – منذ سنواتٍ مِن في سماحة أستاذنا الشيخِ
العلامةِ أبي عبد الله محمد بن صالح العثيمين –
رحمه الله – تعالى : يذكُرُني فيها بثناءٍ علميٍّ
– واللهِ – لا أستحقُّه ؛ تأوّلتُها – حينها – عند
سماعي لها منه شخصياً – على جميلِ تواضعِه، وحُسن
رُوحِه، ورائقِ دُعابتِه – رحمه الله – .
فَنَقلها هذا البعضُ –
السّامعُها – إلى غيرِهم ؛ حتى وصلَت – أخيراً –
إلى شبكةِ الإنترنت ؛ فما كان مِن الأخِ المُشرِف
على موقِعي العلمي الإلكتروني : (
www.alhalaby.com ) – سدّده الله وأيّده – إلا أنْ
نقَلَها – باجتِهادِهِ الشخصيِّ – مُصدِّراً بها
مقالاً افتتاحياً – له – في الموقِع .
وها هنا موضعُ ذاك
التذكير : فـ … حبُّ المدحِ ، والإخلاصُ ، ضِدّان
لا يجتمِعان !
نَعَم ؛ مِن أجلِ ذا :
يُجاهِدُ الواحدُ فينا نفسَه ؛ كما قالَ ربُّ
العالمين : { والذينَ جاهدوا فينا لنهدينّهُم
سُبُلَنا } .
لكن ؛ يظهرُ لي – واللهُ
أعلم وأجلّ – أن ثمّةَ فَرقاً دقيقاً بين ( المدح
) ، و (حبّ المدح) :
فالأول : قد لا يكونُ لك
به صِلةٌ – أصلاً – ولو مع ( الرِّضا ) به – فرعاً
–.
وأمّا الثاني : فهو
الآفةُ والبليّة ، الذي تتشوّف له النفوسُ غير
الغنيّة ؛ والّتي لا ينجو مِن سوادِها إلا القليلُ
مِن البريَّة { وما أُبرّئُ نفسي إن النفسَ
لأمّارةٌ بالسوء } …
ومِن هذه البَابَةِ –
نفسِها – قولُ الإمام ابن القيِّم – نفسه – رحمه
الله – في كتابه » الروح « ( ص 368 ) – مفرّقاً
بين ( التحدُّث بِنِعَمِ الله )، و ( الفَخْرِ
بِها ) – ؛ قال :
» المتحدِّثُ بالنعمةِ
مُخبِرٌ عن صفاتِ وليِّها ، وَمَحْضِ جُودِهِ
وإحسانِه ؛ فهو مُثْنٍ عليه بإظهارها ، والتحدُّثِ
بها ؛ شاكراً له ، ناشِراً لجميعِ ما أولاه ؛
مقصودُه بذلك إظهارُ صفاتِ اللهِ ، ومدحُه ،
والثناءُ عليه ، وبعثُ النفسِ على الطلبِ منه دونَ
غيره ، وعلى صُحبتِه ورجائِه، فيكون راغباً إلى
اللهِ بإظهارِ نِعَمِه ، وَنَشرِها ، والتحدُّثِ
بها.
وأمّا الفخرُ بالنِّعَم
: فهو أن يستطيلَ بها على الناس ، ويُريَهم أنّه
أعزُّ منهم ، وأكبرُ؛
فيركبُ أعناقَهُم ،
ويستعبدُ قلوبَهُم ، ويستميلُها إليه بالتعظيمِ
والخِدمة ؛ قال النعمانُ بنُ بشير : إن للشيطانِ
مَصَالِيَ (1) وفُخوخاً ، وَإنَّ مصاليَه وفخوخَه
: البَطَرُ بِنعَم الله ، والكِبْرُ على عبادِ
الله ، والفَخْرُ بعطيّةِ الله ، واتِّباعُ الهوى
في ذاتِ الله «.
فَإذْ قد بانَ » فرقٌ «
بين ( المدحِ ) و ( حبّ المدح ) – وهو لا بدّ
ظاهِرٌ – ؛ فها هنا أُمورٌ تتّضح – بذكرِها – بعضُ
الأسباب والمسبِّبات – لذلك ( الرِّضا )، دون
الإنكار –:
أولُها : أنَّ ( كمّاً )
من الناس ( ! ) تلقَّفوا بعضَ الكلماتِ التي
انتقدِ فيها بعضُ
أهلِ العلم شيئاً من
كتاباتي ! ثم طاروا بها على غير وجهها ؛ مع أنَّ
صنيعَهُم هذا مردودٌ من وجهين :
أ – أنَّ الحُجّةَ في
أصلِ ذاك الانتقادِ غيرُ قائمة ؛ وبالتالي : فإن
النقدَ – أساساً – غير صحيح .
وفي عددٍ من كتبي
ورسائلي بيان ذلك – مُفصّلاً – ، وبخاصةٍ »
التنبيهات المتوائمة .. « في مجلّدٍ كبير .
ب- أنَّ هذا النقدَ – لو
سلّمنا بهِ ! – فإن إطارَه محدود ، ونِطاقَهُ ضيّق
؛ لكنّ أولئك – الطائرين ! – وسّعوه وبَسَطوه !!!
– بغير حقٍّ ، ودونما بيّنة – .
فكان هذا ( الرِّضا ) –
ولا أقول : ( الحبّ ) – بهذا المدح – وبخاصةٍ أنّه
أتى من غيري – جواباً علمياً ، ورداً عَمَلِياً –
على ذلك النقد غير القائم ، فضلاً عن كونه صادراً
من عالمٍ جليلٍ معتبرٍ ، هو أجلُّ علماً ، وأرفعُ
مكانةً من أولئك المنتقِدين – على فضلِهم – فُرادى
ومجتَمعين …
وهذا –فيما أرى – هكذا –
معنىً صحيحٌ مُقتبسٌ مِن جملةِ معاني قولِ الله –
تعالى –: { والذين إذا أصابهُم البغيُ هم ينتصرون
} .
ثانيها : ما علّقه
البخاري في » صحيحه « ( 1/258 » التوشيح « ) عن
الإمام ربيعةَ ابنِ أبي عبد الرحمن ؛ قال :
» لا ينبغي لأحد عنده
شيءٌ من العلم أن يضيّع نفسَه « .
وقد وصلَه الإمام
البيهقي في » المدخل « ( 687 ) .
وِمن معانيه – فيما ذكر
الحافظُ ابن حجرِ في » فتح الباري « ( 1/ 178 ) –
:
» أن يُشهِر العالمُ
نفسَه ، ويتصدّى للأخذ عنه ، لئلاّ يضيعَ علمُه «.
وإن كنتُ لا أعدُّ نفسي
– وَربِّ السماءِ والأرضِ – إلا طالبَ علمٍ »
متّبعاً على سبيل نجاة « (1) …
{ ويعفو عن كثير } ..
مع كونِ ذلك القولِ – من
سماحةِ أُستاذِنا الشيخ ابن عثيمين – غيرَ داخلٍ –
أصالةً –
في هذا الحَرْفِ الدقيق
مِن » إشهارِ النفس « ؛ لا واقعاً ، ولا أثراً …
فتنبّه .
ثالثها : أنَّ ( الرِّضا
) بمثلِ هذا القول – الصادر مِن مثل ذلك العَلَم –
في محيطِ هذه الدائرة – لا يخرُجُ – إن شاء الله –
عن ( عموم ) هَدْيِ قولِ ربِّ العالمين : { قل
موتوا بغيظِكُم }.. لطائفةٍ ( ! ) لم يُجْدِ
مَعَها الصَّبْرُ، ولم يَصْلُح فيها العفوُ ..
فَمَن عافاه الله مِن
أخلاقِهم : فليس شكٌّ أنه سَيَعْذُرُ مَن ابتُلِيَ
بسوئهم ، ومسّه بلاؤهم – مع حمدِه ربَّه على
العافية –..
فكيف إذا علِمنا أنَّ
واحِداً من هؤلاء السيِّئين – لتناقضهِ الشخصيِّ ،
وبلائهِ النفسيِّ – يترفّعُ على أترابِه ، ويستعلي
على أصحابِه – متمدِّحاً – بِفَرْدِ إجازة ( ! )
ناوله إياها مقلّدٌ مذهبيٌّ لا يُعرَف ؟!!
وكيف إذا أيقنّا أنَّ
آخَرَ – من الفصيلةِ نفسِها! – لا يزال يتشدَّقُ –
جَذِلاً، فَرِحاً –
بتزكيةِ زواج ، أو
توصيةِ دراسةٍ ؛ نالها – في صباه ! – مِن عالِمٍ ؛
هو الآن يطعنُ في اعتقاده ، ويقطعُ نَفْسَه عَن
امتداده ؟!!
وكيف إذا عَرَفْنا (!)
ثالثاً – منهُم ! –يهشّ ويبشّ لِتقريظٍ هشّ ؛ على
كتابٍ واهنٍ من مُقرِّظٍ واهٍ ؟!!
كُلُّ هذا – وغيره –
مُغْمَضَةٌ عنه العينان ، ولا يتناوله اللسان ؛
لأنه وافقَ الهوى، ورافق خفيَّ الشهوة – ممّا يهوى
– …
فكيف – باللهِ – لو (
سَنَحَ ) لِواحدٍ مِن أُولاءِ ( ! ) ذلك الثّناءُ
العُثَيمينِيُّ – أو مِثلُهُ – ؟! فاللهُ أعلم
ماذا سيكونُ منهم ، أو يحلُّ بهم !
وأخيراً – وليس آخراً –
كما يقال ! – أنقلُ لنفسي ، ولإخواني المحبّين ،
الصادقين الواثقين : دعواتٍ رائقة ؛ رأيتها في
ختامِ كتاب » فتح الباري « (1) ( 3/474 ) – وَعظاً
وتذكيراً – ؛ فها هي ذي:
» إلهي : لو أردتَ
إهانَتَنا لم تهدِنا ، ولو أردتَ فضيحتَنا لم
تستُرنا ، فتمِّم اللهمّ ما بهِ بدأتَنا ، ولا
تسلُبنا ما بهِ أكْرَمْتَنا .
إلهي : عرّفْتنا
بربوبيّتِك ، وغرّقتنا في بحارِ نعمتِك ، ودعوتنا
إلى دارِ قُدْسِك ، ونعَّمتنا بذِكرك وأُنسِك .
إلهي : إنّ ظُلمةَ
ظلمِنا لأنفسِنا قد عمّت ، وبحارَ الغفلةِ على
قلوبنا قد طمّت ؛ فالعجزُ شامل ، والحَصَرُ حاصل ،
والتسليمُ أسلَم ، وأنت بالحالِ أعلَم .
إلهي : ما عصيناكَ
جَهلاً بعقابِك ، ولا تعرُّضاً لعذابِك ، ولا
استخفافاً بنظركِ ؛
ولكن سوَّلَت لنا
أنفُسُنا، وأعانَتنا شِقوَتُنا ، وغرَّنا سِترُك
علينا، وأطمَعَنا في عفوِك بِرُّك بنا؛ فالآنَ مِن
عذابِكَ مَن يستنقِذُنا ؟! وبِحبلِ مَن نعتصمُ إن
أنتَ قطعتَ حبلكَ عنّا ؟!
واخَجْلَتَنا من الوقوفِ
بين يديك !
وافضيحَتَنا إذا عُرِضَت
أعمالُنا القبيحةُ عليك !
اللهم اغفِر ما عَلِمتَ
، ولا تهتِك ما ستَرتَ .
إلهي : إن كنّا قد
عصيناك بجهلٍ؛ فقد دعوناك بعقل، حيثُ علمنا أن لنا
ربًّا يغفِرُ ولا يبالي .
إلهي : أنتَ أعلمُ
بالحالِ والشكوى ، وأنت قادرٌ على كشفِ البلوى .
اللهم يا من سترتَ
الزلاّت، وغفرتَ السيِّئات، أجِرنا من مَكرِك،
ووفّقنا لشكرِك .
إلهي : أتحرِقُ بالنارِ
وَجْهاً كان لك مصلّياً ، ولساناً كان لك ذاكراً
أو داعياً ؟!
فارحم – اللهم – عباداً
غرَّهُم طولُ إمهالِك ، وأطمَعَهُم كثرةُ أفضالِك
، وذلُّوا لِعِزِّك وجلالك ، ومدّوا أكفَّهم لطلب
نوالِك ، ولولا هدايتُك لم يصِلوا إلى ذلك « .
فاللهمّ ارزُقنا
الإخلاصَ في القولِ والعَمَل ، واجْعَلنا في
عُيونِنا صِغاراً ، وفي عيونِ الناسِ كباراً …
و » رَحِمَ اللهً
امْرءاً أهدى إليَّ عُيوبي « .
وأستغفِرًك – اللهمّ –
مِن تقصيري وذُنوبي …
{ وَقلِ اعملوا فسيرى
اللهُ عملَكُم ورسولُهُ والمؤمنون } .
… وآخرُ دعوانا أنِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين .